حوار مع مديرة الفرع النسائي لقطر الخيرية حول مجاعة القرن الإفريقي
حقيقة .. لقد ساورتني بعض التساؤلات حول ما يدفعها لتجشم متاعب السفر إلى تلك المناطق البعيدة ، وتحمل المشاق في سبيل ذلك ، لكن ما إن وطأت أقدامنا أرض "واجيرا" على الحدود الصومالية ــــ الكينية التي تعني بالعربية "كان زمان " ورأيت تفانيها في الاهتمام بتلك الفئات التي جار عليها الزمان بعد أن كان لها ففقدت المال والحلال ، وأقلعت السماء ، وغاضت الأرض بالماء ، فلا سماء ماطرة ولا عيون فائرة بل آبار معطلة ومياه غائرة ، وأفواه فاغرة ، وعظام لا تكسوها غير الجلود ، ويكاد يراها كل ذي عين ناظرة . اهتمت ورفيقتاها بإدخال السرور على قلوب الأطفال والنساء ، بتوزيع الحلوى ، والشلنات ، غير عابئة بالتدافع والتزاحم الذي كان يحدث بمجرد أن تبدأ في التوزيع.
كانت لها مواقف عدة ، تسأل عن أهم الاحتياجات ، وكيفية تدبيرها ، وقيمتها ، وما الذي يمكن أن تقدمه لهؤلاء او أولئك .. تابعت أكثر من موقف لها ، فتبددت التساؤلات التي كانت تلح علي في بداية رحلتنا الإغاثية إلى كينيا حول الدافع وراء سفرها إلى هناك مع رفيقتيها السيدة أميرة النعيمي ورحاب عثمان ضمن وفد جمعية قطر الخيرية.
شغف بالعمل الخيري
قبل أن تهبط بنا طائرة الخطوط الجوية القطرية في مطار الدوحة في رحلة العودة بعد خمسة أيام من معايشة آلام وآمال لمجموعات بشرية طحنتها الحياة ، وضن عليها الزمان بأهم مقوم من مقومات الحياة ألا وهو الماء .. سألت السيدة الفاضلة شيخة المفتاح مديرة الفرع النسائي بقطر الخيرية عن رحلتها مع العمل الخيري وكيف ومتى بدأت قالت الفاضلة أم محمد إن رحلتي مع العمل الخيري بدأت في فترة مبكرة من حياتي ، فقد أحببت العمل الخيري ومساعدة المحتاجين منذ أن وعيت على هذه الدنيا ، وانا أعتبر أن مشوار حياتي كله مكرس للعمل الخيري ، وإن كان عفويا في البدايات: إلا أن بداياتي مع العمل الخيري المنظم ، كانت في عام 1992م ، وذلك قبل التحاقي بقطر الخيرية ، وقد أمضيت 27 عاما في وزارة التربية والتعليم بدأت مدرسة وتدرجت إلى أن عملت مديرة لمدة سبع سنوات ، ثم طلبت التفرغ بعد تعييني مديرة للفرع النسائي بقطر الخيرية عام 2003م.
مبادرات ومواقف
* أكثر المواقف المؤثرة التي لا يمكن أن تفارق عقل مديرة الفرع النسائي بقطر الخيرية؟ ـــ مواقف كثيرة تزدحم بها الذاكرة ، ولا يغفل عنها القلب ولا الوجدان أبدا أقربها ما رأيناه في رحلتنا الأخيرة إلى مناطق واجير ومانديرا في شرق كينيا حيث الأطفال محرومون من أبسط ما يتمتع به أطفال العالم وكذلك النساء اللاتي لا يجدن مايقيم أودهن خاصة كبيرات السن والمرضعات والحوامل ، ولا أستطيع أن أنسى صورة الأطفال وهم يتلقفون الحلوى البسيطة التي حملناها معنا إلى هناك ، والنساء بل والرجال أيضا ، ولن أنسى لحظة الإعلان عن عزم قطر الخيرية إنشاء بئر ارتوازية في قرية تولا بمنطقة واجير ، والفرحة الغامرة التي امتلأت بها عيون النساء والأطفال ، وكذلك لا أنسى علامات الفرح والسرور التي ترتسم على وجوه الاطفال والنساء وكبار السن إذا قدمت لهم مبلغا من المال ولو كان بسيطا ، وكذلك لا أنسى ما رأيته في رحلتنا إلى باكستان بعد الزلزال المدمر ضمن وفد مبادرة ايادي الخير نحو آسيا: الذي ترأسته سعادة الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني كريمة حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى التي أتمنى أن تقود مبادرة نحو افريقيا أيضا ، فالمناطق التي زرناها في كينيا ، تكاد تكون أشد بؤسا وفقرا من المناطق التي حدث فيها الزلزال في باكستان.
تحديات تواجه العمل الخيري
*لكن العمل الخيري في الخارج دائما ما تعترضه بعض المعوقات ، وإن تمثلت في بعد المسافات وقلة وسائل نقل المعونات والمساعدات ، فكيف يمكن التغلب على ذلك من وجهة نظرك؟ ـــ إرادة الخير للناس والتصميم على إيصال الخير إلى مستحقيه ، خاصة إذا كانوا في أشد الاحتياج إليه يذلل أعتى العقبات ، وإن كان بعد المسافات وعدم وجود وسائل لشحن المساعدات العينية قد يؤثر على العمل الخيري ، لكن ذلك يجب ألا يجعلنا نقف مكتوفي الأيدي ، بل إن هذه المعوقات يجب أن تدفعنا للتفكير في سبل أخرى لإيصال هذه المساعدات إلى المحرومين ، واحتساب الأجر والثواب عند الله تعالى.
وهناك بعض العوائق التي تكون طبيعة المناطق المتضررة سببا فيها ، مثل المناطق التي زرناها في كينيا ، فالناس مشتتون في مناطق بعيدة لا توجد بينها طرق ممهدة ، ولا وسائل لنقل المساعدات بصورة سهلة ،فقد تظل الشاحنة التي تحملها بالمساعدات عدة أيام حتى تصل إلى قرية من القرى ، وفي ذلك مخاطر كثيرة قد تحول دون وصول المساعدات إلى مستحقيها ، عكس ما لو كان الناس متجمعين في منطقة واحدة فيسهل إمدادهم بالخدمات وتلبية احتياجاتهم بصورة سريعة.
والحمد لله فمن خلال اطلاعي ومعرفتي بالعمل الخيري ، فأهل الخير مستعدون لتقديم الكثير ولا توجد أي مشكلة في عملية التمويل ، بل دائما ما تكون المعوقات خارجة عن القدرة ، وإن كنا كما ذكرت سابقا نحاول التغلب على أي معوق يقابلنا.
مشاريع وبرامج تنموية
*إذا كانت العمليات الإغاثية وتقديم مساعدات عينية تواجه بعدة عقبات ، ألا يكون من الأفضل لو تم توجيه هذه المساعدات لإقامة مشاريع تنموية دائمة في هذه المناطق؟ ـــ قطر الخيرية ومنذ عدة سنوات ، اخذت البعد التنموي بعين الاعتبار بل وجعلت له أولوية في كافة برامجها سواء في الداخل أو الخارج ، لكن في حالة مثل كينيا أو الصومال أو غيرهما من دول القرن الإفريقي فإن الأزمة قائمة وتحتاج إلى أقصى سرعة في مد يد العون والمساعدة ، وتحتاج إلى مساعدات فورية ، فلا بد من اتباع الأسلوب الإغاثي ، وكما هو معلوم فالعمل الخيري في المناطق المنكوبة ، لا بد أن يمر بمراحل ثلاث ، الأولى وهي الإغاثة ، والثانية الانعاش ، والثالثة التنمية ، حسب النهج الذي تسير عليه قطر الخيرية ، فسوف تكون هناك مشاريع تنموية في هذه المناطق لاحقا بإذن الله تعالى ، لكن بعد أن يتعافى الناس في تلك المناطق من أزمة الجفاف التي تمر بهم منذ أكثر من خمس سنوات.
مأساة القرن الإفريقي
*أهم ما خرجت به من هذه المهمة الإغاثية ؟ ـــ لقد استطعنا خلال هذه الزيارة الإغاثية التعرف عن قرب على الحاجات الحقيقية للناس في هذه المناطق ، وكذلك التعرف على حجم المأساة التي يعاني منها الناس هناك ، بعد أن فقدوا أكثر من "90" % من أبقارهم وأغنامهم ، ولم يتبق لهم سوى القليل الذي يتساقط واحدة تلو الأخرى من جراء عدم وجود المرعى أو الماء ، مما يهدد بكارثة إنسانية حقيقية في هذه المناطق.
مشاريع إنسانية
* إلى أي درجة تغيرت فكرتك المسبقة عن هذه المناطق بعد زيارتك لها؟ ـــ لدرجة كبيرة ، فلم أكن أتصور الوضع كما رأيته ، وكما يقول المثل " فما راءٍ كمن سمع " فحال الناس هناك لا يتصوره أحد إلا من رآه بالفعل.
* أهم المشاريع التي تعتزم قطرالخيرية تنفيذه في المرحلة الحالية في هذه المناطق؟ ـــ بالإضافة إلى عمليات الإغاثة العاجلة هناك مشاريع ضرورية جدا ، ويأتي على رأسها إنشاء آبار ارتوازية لتوفير المياه لآلاف النساء في تلك المناطق ويليه توفير البنية التحتية مثل المدارس والعيادات الطبية والمساجد وغيرها من المشاريع اللازمة لأي مجتمع ، خاصة المشاريع التي تخدم الأطفال والنساء
|