كفالة يتيم: آثارها على الكافل والمكفول

كفالة يتيم: آثارها على الكافل والمكفول


08/06/2017 | شركاؤنا


محمد عطاء الرب

واقع مر يغص به أيتامنا

في قرية بعيدة عن المدينة، لمحت سواداً يتحرك في مساء الشتاء؛ فإذا بطفل، يدخل كوخاً قديماً، وما أن غاب عن بصري، سمعت عويلاً. اقتربت من ذلك المكان ودخلت، فوجدت ذات الطفل الذي رأيته في سوق الخضار، يجمع من الخضروات ما يسقط على الأرض، ثم يبيعه ويجلب الماء للآخرين، بينما يقف أترابه في الطابور الصباحي في المدارس. لاحظت بجانبه جثة لامرأة ماتت بعد معاناتها من مجاعة ومرض. توفي أبوه حين كان صبياً، واليوم تتركه أمه يكابد الحياة وحيداً.

هذه ليست حكايةً تُروى فحسب، بل حقيقة يعيشها أكبر عدد من اليتامى حول العالم؛ فوفقاً لـليونيسيف، يموت شخص كل أربع ثوانٍ تقريباً بسبب المجاعة وعادةً ما يكون طفلاً دون سن الخامسة. ويرتفع عدد الوفيات من الأطفال في الدول النامية جرّاء النقص في المياه الصالحة للشرب والغذاء والمأوى والمشاريع الصحية. كما يذكرُ أن الحروب والأمراض من بين الأسباب التي أدت إلى ارتفاع عدد الأيتام، ومرض الإيدز – تحديداً – يعد سبباً رئيساً في ازدياد عدد الأيتام في قارات آسيا وأفريقيا.

اليتيم في ديننا الحنيف

هذا، ولم يأل الإسلام جهدا في حث الناس على كفالة اليتيم ورعايته فحسب، بل أولاه من الاهتمام ما يشبع جميع حاجاته، حيث يعد اليتيم طفلا مثل الآخرين من الأطفال يتمتع بكامل الحق في العيش الكريم؛ قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ (سورة الماعون: 1-2). ويجب تقديم فرص متساوية للنمو ولتقلي التعليم والرعاية؛ حيث لا يعتبر اليُتم في ديننا عاراً ولا ذنبا، فقد نشأ رسولنا الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - يتيما منذ ولادته؛ كما جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ (الضحى: 6).

لقد جعل الإسلام من كفالة اليتيم باباً شاسعاً للخير، يتضح ذلك في قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (سورة البقرة: 215). وقال رسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏ "‏أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين‏"‏ وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى وفرّج بينهما‏ (رواه البخاري). كما كان –عليه الصلاة والسلام - قدوةً حسنة في التعامل مع اليتيم فقال: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ، فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيم" (رواه أحمد).

ماهي الكفالة؟ 

يعتقد البعض أن "الكفالة" تعني تقديم مساعدة مالية إلى اليتيم وزيارته في بعض المناسبات. بينما مفهوم الكفالة أشمل وأكثر اتساعاً، إذ يُقصد بها توفير بيئةٍ ملائمةٍ ينشأ فيها اليتيم نشأةً سليمة ويتلقى التعليم والتربية؛ فبهذا يكون كافل اليتيم هو من يقدم له النفقة والكسوة ويمده بالنصح والإرشاد والتأديب.

آثار الكفالة على الكافل والمكفول

تلعب كفالة اليتيم دوراً هاماً في بناء المجتمع وتقليل بعض المخاطر المجتمعية كالتفكك والانحراف، ويتجلى آثارها على الكافل والمكفول على حدٍ سواء في عدّة جوانب، الديني منها والاجتماعي والاقتصادي.

ففي الجانب الديني: كفالة اليتيم طاعةٌ لأمر الله عز وجل، وعملٌ بوصايا النبي - صلى الله عليه وسلم -  ودليلٌ على محبته. وبها تحصل لكافل اليتيم صحبته في الجنة وبركة في الرزق في الدنيا، كما تزول بها قسوة القلب وينجو الكافل بها من الكِبر؛ كما أن بها تُحفظ الحقوق وتُصان الأعراض مما يجعل الكافل والمكفول فردين فاضلين يسعيان في بناء المجتمع على أسس خالية من الحقد والكراهية.  

أما في الجانب الاجتماعي فالإنسان لاينسى من أحسن إليه أو قدّم له معروفاً خاصةً في محنته وشدته؛ فعندما يترعرع اليتيم في جو إنساني عطوف، ويرى كافله يشاركه أنشطته، يشب فرداً سوياً بعيداً عن الأحقاد والعدوانية التي قد تُضمَر تجاه المجتمع؛ مما يساهم في بناء التفاهم والتقارب بين الكافل والمكفول.

وفي الجانب الاقتصادي تتطلب الكفالة الاقتصادية أن ينفق الكافل على اليتيم في دراسته ومعيشته ورعايته الصحية حتى يبلغ سن رشده. الأمر الذي يحقق نموّ اليتيم نموّاً صحياً، فيغدو فرداً متعلماً بنّاءً، مستعدًا لاغتنام الفرص التي تمكّنه من تفعيل مهاراته وقدراته مما يفتح أمامه آفاقاً اقتصاديةً شاسعة ينفع بها نفسه ولن يغفل كافله في يتمه.

وفي حالاتٍ أخرى تعني هذه الكفالة حفظ مال اليتيم وتنميته في مشاريع مدرة للدخل تعود بالفائدة عليه والمجتمع مما تخفف حدة البطالة ويبعد عن المحتاجين هاجس الفقر وما يجره من أمراض، وبالتالي يساهم في بناء مجتمع صحي ذي مستوى معيشي أفضل.

فمن هنا يجب على الإنسان أن يزرع الحب في قلب اليتيم ويزوده بالثقة بالنفس، كما عليه أن يدخل الفرحة على قلبه بالإضافة إلى توفير بيئة صحية تعليمية مناسبة له مما يساعد في بناء شخصيته التي تنفع الكافل والمجتمع والإنسانية.

 

ملاحظة: يعبر المقال عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر قطر الخيرية.

منظمة خيرية مسجلة باسم جمعية قطر الخيرية برقم قيد (6) في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية والإسكان لعام 1992، رقم المنشأة: 01006100

جميع الحقوق محفوظة @لقطر الخيرية 2019