ليست كل الأزمات الإنسانية متساوية في حضورها الإعلامي أو في مستوى الاهتمام العالمي بها. فبينما تتصدر بعض الكوارث العناوين لفترات قصيرة، تعيش أزمات أخرى في صمت طويل، رغم أن معاناة أهلها أشد وأطول زمنا. الأزمات المنسية هي تلك التي استمرّت حتى اعتادها العالم، فخفت الضوء عنها، وبقي المتضررون يواجهون الاحتياج يوما بعد يوم دون أن يُسمع صوتهم.
جدول المحتويات
ما الذي يجعل أزمة ما منسية؟
تُعرّف المفوضية الأوروبية للمساعدات الإنسانية (ECHO) “الأزمات المنسية “Forgotten Humanitarian Crises” بأنها:
“أزمات إنسانية حادة وممتدة يعاني فيها السكان المتضررون من نقص حاد أو غياب كاف للمساعدات الدولية، ويقترن ذلك بضعف الاهتمام الإعلامي والسياسي، مما يؤدي إلى استمرار المعاناة وتفاقم الاحتياجات الأساسية.”
وتشير المصادر نفسها إلى أن هذه الأزمات:
- غالبًا ما تكون طويلة الأمد وليست طارئة فقط.
- تحدث في سياقات نزاع مزمن، أو فقر متراكم، أو كوارث متكررة
- تتأثر بشدة بـ انخفاض التغطية الإعلامية مما ينعكس مباشرة على حجم التمويل الإنساني
لماذا لا ينتهي الاحتياج بانتهاء التغطيات الإعلامية؟
اختفاء الأزمة من الأخبار لا يعني تحسّن الواقع على الأرض. في الدول التي تعاني أزمات ممتدة، يرتبط الاحتياج الإنساني بعوامل متراكمة مثل النزوح طويل الأمد، والفقر، وتغير المناخ، وضعف البنية التحتية. وعندما يتراجع الاهتمام، تتراجع معه المساعدات، فتزداد هشاشة الأسر، وتتسع الفجوة الإنسانية.
وجوه خلف الأزمات المنسية
في أزمة الروهينجيا، على سبيل المثال نتحدث عن أسر لاجئة منذ سنوات طويلة، وأطفال وُلدوا في المخيمات ولم يعرفوا معنى الاستقرار. وفي الصومال، يعني الجفاف المتكرر فقدان الغذاء والمأوى معًا، وتحول الحياة اليومية إلى معركة بقاء. أما في اليمن، فالأزمة الممتدة لم تترك بيتا إلا وأثقلته بفقد أو فقر أو خوف. وفي أفغانستان وتشاد، تتقاطع آثار النزوح والفقر وتغير المناخ، لتصنع واقعًا هشًا تعيش فيه الأسر بلا أدنى مقومات الأمان. وفي موريتانيا فيضانات متكررة.. وهكذا.
إعادة تسليط الضوء على هذه القضايا هو أولا إعادة الاعتبار لإنسانيتهم، بعيدا عن الاختزال أو الاستهلاك العاطفي.

العمل الخيري ومسؤولية عدم النسيان
إن العمل الخيري الحقيقي لا يقوم على الاستجابة الموسمية أو التفاعل مع الترند، بل على ذاكرة إنسانية حيّة تُدرك أن المعاناة لا تنتهي بانتهاء الخبر. هنا تتجلى مسؤولية أصحاب الخير والمؤسسات الخيرية في إبقاء القضايا المنسية حاضرة، وعدم ربط العطاء بسطوع الأضواء.
نموذج عملي: مبادرة قطر الخيرية
أحد النماذج التي برهنت على ذلك قطر الخيرية حيث أطلقت ضمن حملتها الرمضانية “بس تنوي خيرك يوصل” مبادرة لدعم المتضررين من الأزمات المنسية خلال العشر الأواخر من رمضان رغم الظروف الاستثنائية الراهنة، وتستهدف الأسر الأكثر احتياجا في الروهينجا، والصومال، واليمن، وأفغانستان، وتشاد، وموريتانيا عبر تدخلات أساسية تمس جوهر الحياة.
وتركّز المبادرة على توفير الغذاء للأسر التي تعاني الجوع المزمن، وبناء وترميم البيوت المتضررة لحماية العائلات من الظروف القاسية، إضافة إلى توفير مستلزمات الإيواء التي تحفظ الكرامة الإنسانية وتعيد الحد الأدنى من الأمان.
أثر الدعم على المجتمعات والمتبرعين
إن استمرار الدعم يترك أثرا عميقا على المجتمعات المتضررة، حيث يخفف الشعور بالعزلة، ويعزز الاستقرار النفسي والاجتماعي، ويمنح الأسر أملا بوجود من يتذكرها. وفي الوقت نفسه، ينعكس العطاء على أصحاب الخير أنفسهم، إذ يمنحهم شعورا بالمعنى والطمأنينة، ويؤكد أن الخير موقف أخلاقي لا يتوقف عند الرخاء. كما أنه يرجى أن يكون دفعا للبلاء بسبب الظروف الاستثنائية التي تعيشها المنطقة حاليا.
الأزمات المنسية لا تطلب شفقة عابرة، بل ذاكرة حيّة، ودعما مستمرا، وخيرا لا ينقطع. ومع مبادرة قطر الخيرية في العشر الأواخر من رمضان، تتحول النية الصادقة بدعم أهل الخير إلى غذاء يشبع، وبيت يحمي، وأمل يصل إلى من طال انتظارهم.












