المساجد ودورها التاريخي في نشر العلم

المساجد ودورها التاريخي في نشر العلم

05/20/2019

من خلال نظرة سريعة في القرآن الكريم، نجد أن لفظة “المسجد، و المساجد”، قد وردت ثمانٍ وعشرون مرةً، كما ورد ذكر لفظة “البيت” بمعنى المسجد ست عشرة مرةً.

ذكر المساجد بهذه الكثرة دليل على أهميتها وعظم مكانتها، ودورها المحوري في تحقيق الإحياء العلمي والحضاري، الذي انطلق منذ اللحظة الأولى التي تلقى فيها قلب نبينا صلى الله عليه وسلم التوجيه العلوي: {اقرأ باسم ربك الذي خلق}، وما تبعها من الآيات الآمرة بتوحيده تعالى، وحده لا شريك له.

كما تبرز تلك العلاقة وذلك الدور الحضاري، باعتبار أن المساجد -وفي مقدمتها بيت الله الحرام- هي منابر إعلان التوحيد، والتنديد بالجاهلية وشركها.

ولذلك فقول الله تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحداً}، ما هو إلا إحياءٌ لدين العدل، ملةِ أبينا إبراهيم عليه السلام التي أخبرنا عنها بقوله تعالى: { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }، الآيات.

لقد كانت المهمة شاقة جداً؛ فقريش وقبائل العرب قد بدلت ملة إبراهيم عليه السلام، وأصبح الشرك بالله والقول على الله بغير علم دينها وملتها، قال الله تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَٰلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ }.

وحتى ينطلق المشروع الحضاري لهذا الدين، هاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، فأسس فيها مسجد قباء، ثم المسجد النبوي، الذي أصبح الجامعة الأولى في العالم، فأقبل الصحابة ينهلون من علم النبي صلى الله عليه وسلم، الذي قال: (أيكم يحب أن يغدو كل يومٍ إلى بطحان أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثمٍ ولا قطيعة رحم!)، فقلنا: (يا رسول الله نحب ذلك)، فقال: (فلأن يغدو أحدكم إلى المسجد، فيتعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله خيرٌ له من ناقتين، وثلاث خيرٌ له من ثلاث، وأربع خيرٌ له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل)، رواه مسلم.

ولذلك أيضاً رغب نبينا عليه الصلاة والسلام في بناء بيوت الله ، فقال: (من بنى مسجداً لله ولو كمفحص قطاةٍ أو أصغر، بنى الله له بيتاً في الجنة). رواه أحمد وابن ماجه وصححه الألباني.

دور المساجد في البناء الحضاري

أقبل المسلمون يشيّدون المساجد، ويعلون منابر العلم فيها أينما حلوا ورحلوا، فانتشر العلم والدعوة إلى الله بانتشارها، وهو ما نبه عليه الكاتب توماس أرنولد (Thomas Walker Arnold) في كتابه “الدعوة إلى الإسلام”، فقال وهو يتحدث عن حماس المسلمين لنشر الإسلام على الساحل الغربي من أفريقيا: “وإذا ما اجتمع في مدينة ستة رجال منهم وأقل من ذلك أو أكثر، وعزموا على أن يقيموا فيها فترةً من الزمن سارعوا إلى بناء المسجد، وأخذوا ينشرون الدعوة”، الدعوة إلى الإسلام، ص (376).

وهكذا أصبحت بلاد المسلمين قبلة العالم في سائر العلوم والفنون، وصارت أمة العرب رائدة التغيير الحضاري الذي شع نوره أرجاء المعمورة.

وقد شهدت بتلك الحقيقة الدكتورة زغريد هونكه في كتابها الشهير “شمس العرب تشرق على الغرب”، فذكرت أن المسلمين هم من أسسوا قواعد البحث العلمي الحديث، بل إن المستشرق الفرنسي غوستاف لوبون، في كتابه “حضارة العرب”، تمنى أنْ لو دخل المسلمون باريس، حتى تنعم بما لديهم من المعارف والعلوم.

ومع تطور العلوم وحاجة المسلمين إلى وجود جامعات متخصصة، ظل ارتباط التعليم بالمساجد قائماً إلى عهد قريب، ومن أمثلة ذلك: جامعة الأزهر، وجامعة الزيتونة، وجامع القرويين، والمسجد الأموي، والمسجد الأقصى بفلسطين، وغيرها كثير.

ومما يساهم اليوم في إعادة ذلك الدور الحضاري والعلمي للمساجد، تبنّي بناء المساجد النوعية المتكاملة، التي تعرّف بالإسلام، وتبرز خصائصه وقيمه الحضارية، الهادفة إلى ترقية البشرية، وتقديم الخير للناس جميعاً باختلاف أعراقهم، وألوانهم، وأديانهم.