حفر بئر جزاؤه الجنة

حفر بئر جزاؤه الجنة

05/22/2019

ورد في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ، اشتد عليه العطش، فوجد بئراً، فنزل فيها فشرب، ثم خرج، فوجد كلباً يلهث ، يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر، فملأ خفه ماءً ، ثم أمسكه بفيه حتى رقي -أي حتى صعد إلى أعلى البئر-  فسقى الكلب، فشكر الله له، وغفر له، فأدخله الجنة”، قالوا: “يا رسول الله، وإن لنا في هذه البهائم لأجراً؟” قال: “في كل كبدٍ رطبةٍ أجر.”

فإن كان هذا الحديث الشريف يؤكد على ضرورة الرفق بالحيوان كسبب يؤدي بصاحبه إلى الجنة، فإنه يشير أيضاً إلى أهمية مبدأ “سقي الماء“، ليس فقط للبشر بل لسائر الكائنات. لأنه أعز سبيلٍ لبقاء الحياة. ولطالما كان للماء رمزية وأهمية كبرى في الدين الإسلامي، فقد ورد  أيضاً بصريح الحديث النبوي ” أفضل الصدقة سقي الماء”. ولعل أهم سبل السقي هي حفر الآبار، خاصة في المناطق الجافة والنائية التي يشح وجود الماء فيها.

وقد واجه الصحابة المهاجرون هذه المشكلة في المدينة المنورة، إذ ورد بعدة روايات مفادها أن المياه كانت قليلة، وكان هنالك عينٌ أو بئر، تسمى رومة، وماؤها عذب، يحتكرها رجلٌ من المدينة، وكان الناس لا يشربون منها إلا بثمن، فشقّ ذلك عليهم، فقال له النبي: “بعنيها بعين في الجنة” فقال الرجل: “يا رسول الله، ليس لي ولعيالي غيرها، ولا أستطيع ذلك”. حينئذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من اشترى بئر رومة فله الجنة”، وفي رواية أخرى “من حفر بئر رومة فله الجنة”.

فبلغ ذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: “أتجعل لي مثل الذي جعلت له عيناً في الجنة إن اشتريتها؟” قال: “نعم”، فقال عثمان: “قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين”. فاشتراها منه على دفعتين: الأولى بخمسة وثلاثين ألف درهم، واتفق مع صاحب البئر على أن يكون له يوم ولصاحب البئر يـوم، فإذا كان يوم عثمان استسقى المسلمون ما يكفيهم يومين، ثم اشترى الدفعة الثانية بثمانيـة آلاف درهم، وجعلها كلها للمسلمين، يشربون منها دون أيّ ثمن، لايميز بين فقير أو غني أو ابن السبيل.

قال الحافظ ابن حجر: “وإذا كانت أولاً عيناً فلامانع أن يحفر فيها عثمان بئراً، ولعل العين كانت تجري إلى بئر فوسّعها أو طولها فنُسب حفرها إليه”. وأصبحت تسمى بئر عثمان، وجعلها صدقةً جاريةً منذ ذلك الحين، وكانت بذلك أول وقف مائي من أوقاف المسلمين. وجرت على بئر  عثمان حوادث الأيّام فخربت ونقضت حجارتها، فجدّدها وأصلحها قاضي مكة شهاب الدّين الطّبري في منتصف القرن الثّامن الهجريّ، وهي موجودة حتى يومنا هذا، شاهدة على عظيم صنع الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وتواصل الاهتمام بتوفير المياه خاصة في العصر العباسي، سواء في المدن أو في القرى، عبر حفر بئر أو توفير سقيا لعابر السبيل على الطريق بين المدن والبلدات.

حفر بئر زبيدة : أضخم مشروع خيري

ولعل أضخم مشروع مائي في تلك الفترة هو مشروع عين وبئر زبيدة المرافق لدرب زبيدة، والذي أنشأته السيدة زبيدة حفيدة الخليفة العباسي أبي جعفرٍ المنصور، وزوجة أمير المؤمنين هارون الرشيد. حجت السيدة زبيدة عام 186 للهجرة، وأدركت المخاطر والصعوبات والمشقة التي تواجه الحجاج خلال طريقهم إلى مكة، خاصة من نقص المياه، وما يعانونه من إرهاق شديد جرّاء حملهم لقِرَب الماء من مسافات بعيدة، فقررت حفر بئر صدقة جارية.

فشقت الطرق بين المدن الرئيسية في الدولة العباسية، وأنفقت من مالها الخاص على تصميم مشروع مائي متطور يوفر الماء على طول الطريق المؤدي إلى مكة، من خلال قنوات سقاية تجر الماء من البرك والعيون والآبار وسدود مياه الأمطار، حيث تلتقي جميعها في بئر عظيمة مشيّدة بأحجار كبيرة جدًا تُسمّى “بئر زبيدة”.

وتقول الأخبار أن السيدة زبيدة أنفقت على هذا المشروع ما يعادل مليون ديناراً، وأنها لما انتهت منه جيء إليها بدفاتر الحسابات لمراجعتها فأمرت بطيّها وإلقائها وقالت: “إنما عملناه في سبيل الله، فلا فرق أن تكون النفقة أكثر أو أقل، ولقد تركنا الحساب ليوم الحساب! فمن بقي عنده شيء من بقية المال، فهو له، ومن بقي له عندنا شيء أعطيناه!” فما أعظمها من سيدة، وما أحسنه من عمل، وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.

جمال باكير

ملاحظة: يعبر المقال عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر قطر الخيرية.

مقالات قد ترغب في قراءتها