التسرب المدرسي نادرًا ما يكون قرارًا تعليميًا. الطفل لا يترك مقعده لأنه كره الدراسة، بل لأن شيئًا خارج الفصل صار أثقل من البقاء فيه: جوع، أو عمل، أو مسافة. والأرقام العالمية تكشف مفارقة دقيقة: معدلات إكمال الدراسة ترتفع، إذ بلغ إكمال المرحلة الابتدائية 88% عام 2024 مقابل 77% عام 2000، بينما عاد عدد الأطفال خارج المدرسة إلى الارتفاع بنسبة 3% منذ 2015 (اليونسكو، تقرير الرصد العالمي 2026). أي أن من يدخل المدرسة صار يبقى فيها أطول، ومن لم يدخلها يزداد عددًا.
المكان يشبه المدرسة! لكن ليس ثمة ما يوحي بحراكٍ هناك رغم أن العام الدراسي كان في ذروته.
التلاميذ يتسللون خلسةً بلا عودة … إنها حالات التسرب المدرسي المتكررة بينهم .. الصمت يخيم على المكان. وشبح “الجوع” يُحاصر مدرسة “أيد أبوزيد” الأساسية بالريف الجنوبي لمحلية أم درمان على بعد ثلاثة عشر كيلومتراً غربي العاصمة السودانية الخرطوم.
ما حجم التسرب المدرسي عالميًا؟
الصورة العالمية تتحسّن وتسوء في الوقت نفسه. فمعدلات الإكمال ارتفعت في كل المراحل بين عامي 2000 و2024: الابتدائية من 77% إلى 88%، والإعدادية من 60% إلى 78%، والثانوية من 37% إلى 61% (اليونسكو، 2026). لكن في المقابل هناك 273 مليون طفل ومراهق خارج المدرسة وفق بيانات 2024، منهم 130 مليونًا في سن التعليم الثانوي (اليونسكو).
الخلاصة أن الانقطاع عن الدراسة لم يعد المشكلة الأولى في كل مكان، لكنه يظل المشكلة الأخطر حيث تجتمع الحاجة مع غياب الدعم. وكلما ارتفعت المرحلة الدراسية اتسعت الفجوة: نحو أربعة من كل عشرة شبان في العالم لا يُكملون التعليم الثانوي.
لماذا يترك الطفل مقعده الدراسي؟
الأسباب تتكرر عبر البلدان باختلاف حدّتها، وأبرزها:
- الجوع. الطفل الذي يقضي يومه الدراسي بلا طعام لا يستوعب، ثم لا ينجح، ثم لا يعود.
- كلفة التعليم غير المباشرة. الزي والحقيبة والمواصلات، وهي بنود لا تسقط بمجانية التعليم.
- عمالة الأطفال. دخل فوري يغري الأسرة أكثر من عائد يتأخر عشر سنوات.
- بُعد المدرسة وانعدام النقل الآمن، وأثره على الفتيات أشد.
- النزاعات والنزوح، وهي أوسع تحديات التعليم أثرًا.
أطفال صغار في الصف الأول والثاني والثالث وبقية الفصول الثمانية ممن لاتتجاوز أعمار بعضهم ست سنوات. يُمضون يومهم الدراسي كاملاً دون تناول وجبة الإفطار إلى حين عودتهم إلى بيوتهم. إذ يتاسبقون – بعد وصولهم – إلى شرب الماء واقتسام ماتخبئُه حقائبهم الصغيرة من خبز جاف.
البؤس والفقر يسكُن كل زاويةٍ هناك.. والمنطقة تسجل أعلى نسبة تسرب من التعليم .
عدد التلاميذ في تناقص مستمر. و”الطابور” الصباحي يتقاصر ويتقزم والسبب معلوم لإدارة المدرسة وقبلها وزارة التربية والتعليم السودانية التي أقرت في إحصائية رسمية بأن هناك ما يقارب ستة ملايين طفل لا يمتلك ثمن وجبة الإفطار في المدارس بمختلف ولايات السودان.
كما تشير ذات الإحصاءات بأن لولاية الخرطوم – الدرارس الطرفية تحديداً – نصيب الأسد من ذلك.
وعقب نشر هذه الإحصائية الصادمة الخاصة تخص التسرب المدرسي، تنادت العديد من المنظمات المحلية لجمع التبرعات لإعداد وجبات إفطار بسيطة لهؤلاء التلاميذ.
نتائج باهرة بعد إطلاق مشروع “إفطار تلميذ”
إلا أنها لم تفلح إلا في تغطية مدراس محدودة. إلى أن بادرت قطر الخيرية بالتنسيق مع منظمة “مجددون” السودانية “الجهة المنفذة” ضمن برامجها الإنسانية في السودان مشروع “إفطار تلميذ”. وكان ذلك خلال العام الدراسي 2016 – 2017 تحت شعار “مجتمع لا يجوع فيه الصغار”. من أجل تشجيع التلاميذ على الحضور ومواصلة الدراسة وزيادة معدل تحصيلهم الدراسي و تحسين صحتهم. ورفع قدرتهم على الاستيعاب ومعالجة ظاهرة التسرب المدرسي.
وقد استهدف المشروع ست عشرة مدرسة في المناطق الطرفية والمحتاجة في العاصمة الخرطوم في أربع محليات بالولاية. حيث بلغت المميزانية 500,000 ريال قطري.
ووفقاً لنتائج ومحصلة العام الدراسي الذي انتهي خلال الفترة القليلة الماضية فقد حقق المشروع في تجربته الأولى أهدافه المرجوة. إلا أن البون مازال شاسعاً فما زالت هناك العديد من المدراس تعاني من ذات الواقع خاصة في الولايات من الفقر المُدقع الذي حرم تلاميذ يُفّع من تناول وجبة الإفطار الصباحي ما دفعهم إلى ترك مقاعد الدراسة.
بالطبع تغير الحال إلى الأحسن قياساً على مدرسة “إيد أبو زيد” بمحلية أم درمان. ورغم أن المدرسة في فترة العطلة إلا أن الأستاذ عبد العظيم فرح أحد أبناء المنطقة أصر أن نزور المنطقة والمدرسة لنطلع على نتائج التلاميذ بعد تنفيذ مشروع “إفطار تلميذ”. حتى يكون الأمر حافزاً للخيّرين من قطر أو جهات أخرى لتتسع مظلة المشروع فتشمل محتاجين كثر في الأقاليم والولايات البعيدة.
وجبة إفطار التلاميذ تحد من نسبة التسرب المدرسي
“قبل البدء في تنفيذ مشروع إفطار التلميذ كانت الصورة مغايره تماماً في العام الدراسي “2015 ــ 2016”. حيث شهد نسبة تسرب عالية من التلاميذ بترك مقاعد الدراسة. إضافة إلى تدني نسبة النجاح بصورة مخيفة. فمتوسط الفصل الدراسي كان يضم مابين “35 ــ 45” طالب وطالبة على الأقل لكنه تراجع إلى “21” تلميذ وتلميذة.
بل أن بعض الفصول الأخرى – خاصة الأساسية من الأول إلى الثالث –كان لايتجاوز عدد طلابها “9” دارسين. وقد بلغ المجموع الكلي لعدد التلاميذ بالمدرسة “361” من الطلاب. وخلال نصف العام تراجع العدد إلى “197”طالباً وطالبة فقط.
لكن بعد الشروع في تنفيذ مشروع “إفطار تلميذ” حققت معدلات العام الدراسي “2016 ـ 2017” طفرة كبيرة وشهدت المدرسة استقراراً نسبياً. حيث تراجعت نسبة التسرب المدرسي بعد أن أخطرت إدارة المدرسة أسر التلاميذ بالقرية بتوفر وجبة إفطار من “قطر الخيرية ومنظمة مجددون” للتلاميذ وحقائب وزي مدرسي للطلاب وما إلى ذلك.
نتيجة العام الدراسي 2017 والتحصيل الأكاديمي حملت بشريات زرعت الأمل في نفوس الصغار والأساتذة بارتفاع نسبة النجاح لتصل إلى “53%”. حيث تراجعت نسبة التسرب من الفصول بدرجة كبيرة وتنامي العدد الكلي للتلاميذ ليصبح “241” طالب وطالبة. كما أن المؤشرات للعام الدراسي المٌقبل تبشر بعودة الاستقرار للمدرسة. لكن بشرط أن يتواصل الدعم وتحقيق شعار “من أجل مجتمع لايجوع فيه الصغار”.
ونأمل أن تمتد أيادي الخيرين لتعميم التجربة إلى مناطق أخرى أكثر عوَزاً في بلد مترامي الأطراف يحتاج إلى الكثير.
ما فعلته الوجبة هنا ليس استثناءً سودانيًا. حين تُزال العقبة الفورية أمام الأسرة، يعود الطفل. ولهذا فإن أنجع تدخل ضد الانقطاع هو ما يخفّف الكلفة اليومية للبقاء في المدرسة، لا ما يعظ الأسرة بأهمية فوائد التعليم.
أسئلة شائعة عن ترك المدرسة
ما هو التسرب المدرسي؟
هو ترك الطالب مقعده الدراسي قبل إتمام المرحلة التي التحق بها، سواء انقطع نهائيًا أو غاب حتى فقد سنته. ويختلف عن عدم الالتحاق أصلًا، وهو ما تقيسه أرقام الأطفال خارج المدرسة البالغة 273 مليونًا.
ما أبرز أسباب ترك الأطفال للمدرسة في الدول الفقيرة؟
الجوع وكلفة التعليم غير المباشرة وعمالة الأطفال وبُعد المدرسة والنزاعات. وأغلبها أسباب اقتصادية لا تعليمية، ولهذا تنجح فيها التدخلات التي تخفض الكلفة اليومية على الأسرة.
هل تنجح وجبة الإفطار المدرسية فعلًا في الحد من التسرب؟
في مدرسة إيد أبو زيد بأم درمان ارتفع عدد التلاميذ من 197 إلى 241 خلال عام واحد بعد إطلاق مشروع إفطار تلميذ، وبلغت نسبة النجاح 53%. الوجبة تعالج سببًا مباشرًا للانقطاع، وهو ما يجعل أثرها سريعًا.
كيف يمكن الإسهام في إبقاء الأطفال في مدارسهم؟
عبر دعم ما يبقي الطفل في المدرسة: التغذية المدرسية، والحقيبة والزي، وكفالة طالب علم التي تغطي كلفة استمراره سنة بعد سنة.
وجبة واحدة أعادت أربعة وأربعين تلميذًا إلى فصولهم. ساهم في دعم التعليم عبر قطر الخيرية.
محمد جادين
ملاحظة: يعبر المقال عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر قطر الخيرية.










