الرئيسية الطفولة واليتم من روائع حضارتنا في رعاية الأيتام (1)

من روائع حضارتنا في رعاية الأيتام (1)

2020-11-10
من روائع حضارتنا في رعاية الأيتام (1)

لقد جاء الإسلام ليتمم مكارم الأخلاق، ويشيد أركانها. فكان من أعظم تلك الأخلاق رعاية الأيتام والإحسان إليهم. فرعاية الأيتام خلق الفضلاء والنبلاء، ومظهرٌ عظيمٌ من مظاهر الرقي الحضاري الذي بدأ مع اللحظات الأولى التي تنزلت فيها آيات القرآن الكريم، ليشع نورها في العالمين، على يد النبي اليتيم محمدٍ صلى الله عليه وسلم. فكان في ذلك بعثاً للأمل لكل يتيم أن يبدع ويتحدى العوائق، ويتجاوزها إلى كثير من النجاحات العظيمة التي تنتظره. وصارت لنا روائع وسجلاً حافلاً في رعاية الأيتام.

منظومة تشريعية لرعاية الأيتام سباقة ومتكاملة

تميز الإسلام باشتماله على منظومة تشريعية متكاملة تتعلق بكل ما له علاقة بالأيتام، من الأحكام والقوانين، فإضافة إلى بيانه فضائل كفالتهم ورعايتهم، بين أيضاً جميع الأحكام المتعلقة بالأيتام في تربيتهم، وتعليمهم، والوصاية عليهم، وحفظ أموالهم وتنميتها، وضوابط وشروط من يتولى ذلك، وكيفية دمجهم في المجتمع، وتجاوز حالة اليتم التي طرأت عليهم، لينشؤوا أناساً مبدعين، وصالحين مصلحين، وغيرها من الأحكام التشريعية الكثيرة، وقد كتبت فيها رسائل جامعية كثيرة.

كما سبق الإسلام غيره إلى تشريع الوقف لصالح أعمال الخير والبر بأنواعها ومنها الأوقاف لأجل الأيتام. فالوقف لم يعرف في تاريخ البشرية قبل ظهور الإسلام. ولذلك فهو من خصائص المسلمين.

ومن تجليات حضارتهم التي تميزوا بها عن غيرهم، من أهل الحضارات السابقة؛ حتى قال الإمام الشافعي: “لم يحبس أهل الجاهليَّة – فيما عَلِمْتُه – دارًا ولا أرضًا، وإنما حبس أهل الإسلام”(25)، والحبس معناه الوقف في لغة علماء الإسلام.

فكل من يقرأ القرآن يجد هذا الأمر واضحاً جلياً في ثنايا آياته. فعندما يحدثنا الله تعالى بقصة موسى والخضر عليهما السلام، وهما يصلحان جداراً في قريةٍ امتنع أهلها من اطعامهما؛ لأجل أن يحفظا مال يتيمين في تلك المدينة، تتسلل إلى النفوس معاني الرحمة في التقدير الإلهي باليتيمين، وكيف أن الله تعالى أرسل نبيين كريمين تكريماً لهما، وصيانةً لكنزهما. قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية [الكهف: 82].

كما يتعمق هذا المعنى العظيم عندما نتخيل مشهد نبي الله تعالى زكريا عليه السلام وهو ينافس غيره في كفالة مريم بنت عمران عليها السلام، كما قال تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: 37]. حيث صور الله تعالى مشهد التنافس في كفالتها بين نبي الله زكريا وبين الأحبار. فذكر كيف أنهم جلسوا للقرعة، وقد ألقى كل واحدٍ منهم قلمه، ليكون هذا الفضل من نصيب نبي الله زكريا عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ [آل عمران: 44].

كفالة نبينا صلى الله عليه وسلم للأيتام  

وعلى طريقة أولئك الأنبياء سار نبينا صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين. بل قد ضرب عليه الصلاة والسلام المثل الأعلى في رعاية اليتيم، والقيام بحقوقه قبل النبوة وبعدها. فهذه أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، تشد من أزر النبي صلى الله عليه وسلم، عندما نزل عليه الوحي أول مرة في غار حراء فخاف وفزع، فبينت له أن من كان متصفاً بصفاته النبيلة لا يمكن أن يخزيه الله تعالى أبداً. ثم أخذت تعدد تلك الصفات، وتذكره بها كما في الصحيحين فتقول: “كلا والله ما يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتَصِل الرحم، وتحمل الكَلَّ، وتَكسب المعدوم، وتَقري الضيف، وتعين على نوائب الحق”.(رواه البخاري ومسلم)

والشاهد في قولها هو جملة “وتحمل الكلّ”، ومن معانيها، كما جاء في (إكمال المعلم بفوائد مسلم) للقاضي عياض: أنك تكفل اليتيم العاجز عن رعاية نفسه.

وأما بعد البعثة فقد ضرب، بأبي هو وأمي، أروع الأمثلة وأصدقها في رعاية الأيتام والقيام بمصالحهم، وله في ذلك المواقف العظيمة، ومنها:

  • كفالته لأبناء أم المؤمنين أم سلمة بعد موت زوجها أبي سلمة رضي الله عنهما، فقالت: “مثلي لا ينكح، أما أنا، فلا ولد في، وأنا غيور ذات عيال”، فقال صلى الله عليه وسلم: (أنا أكبر منك، وأما الغيرة فيذهبها الله، وأما العيال فإلى الله وإلى رسوله)، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفل أولادها. (رواه ابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني في الإرواء).

وشجعها على الانفاق عليهم من مالها لما قالت له: يا رسول الله! هل لي أجر في بني أبي سلمة أن أنفق عليهم، ولست بتاركتهم هكذا وهكذا إنما هم بني؟ فقال: (نعم، لك أجر ما أنفقت عليهم)، متفق عليه (رواه البخاري ومسلم).

وكان من حسن كفالته ورعايته لأولاد أم سلمة أنهم كانوا يأكلون معه على مائدة واحدة، فيحيطهم برحمته وتعليمه وارشاده ونصحه. فعن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما، قال: كنت في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي: (يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك). (رواه مسلم).

  • كما كان تحت كفالته محمد بن عبد الله بن جحش. مات أبوه في أحد، وأوصى به للنبي صلى الله عليه وسلم، فاشترى له مالا بخيبر وأقطعه دارا بسوق الرقيق بالمدينة.
  • وممن كان يكفلهم زيد بن حارثة رضي الله عنه، حتى بلغ من حبه له وعنايته به أن تبناه فكان يسمى زيد بن محمد، حتى نسخ حكم التبني بعد ذلك، ونزل قول الله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 5].

من برنامج تدبر في موسمه الثاني – رمضان 1440 هـ / 2019 م

الصحابة رضي الله عنهم وكفالة الأيتام

وعلى طريقة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في كفالة الأيتام سار الصحابة الكرام رضي الله عنهم:

  • فها هو البراء بن مالك رضى الله عنه يحكي كيف تنافس ثلاثةٌ من الصحابة على كفالة ابنة حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه، عم النبي صلى الله عليه وسلم. حيث روى قصة صلح الحديبية، ومما قال فيها: “فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته ابنة حمزة تنادى يا عم يا عم، فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لفاطمة رضي الله عنها: (دونك ابنة عمك). فحملتها فاختصم فيها على وزيد وجعفر. قال علي: أنا أخذتها وهى بنت عمي، وقال جعفر: ابنة عمى وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها، وقال: (الخالة بمنزلة الأم) (رواه البخاري).
  • ومن روائع رعاية الأيتام ما أقدمت عليه زينب امرأة عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنهما، وامرأة من الأنصار. كانتا تنفقان على أيتام في حجورهما. فسألتا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل يجزي عنهما الصدقة على أزواجهن وعلى الأيتام الذين في حجورهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة). (رواه البخاري) 
  • كما أن زيد بن أرقم رضي الله عنه كان يتيماً في حجر عبدالله بن رواحة رضي الله عنه.

وكانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، تكفل أولاد أخيها محمد بن أبي بكر، فعن القاسم بن محمد قال كنا يتامى في حجر عائشة فكانت تزكي أموالنا ثم دفعته مقارضة فبورك لنا فيه.

وكان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، لا يأكل طعامًا إلا وعلى خِوانه (مائدته) يتيم. (صحيح الأدب المفرد للبخاري).



هذه إحدى روائع رعاية الأيتام، رواها البخاري عن عمرو بن ميمون قال: “رأيت عمر بن الخطاب قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف فقال: “كيف فعلتما، أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمراً هي له مطيقة، وما فيها كبير فضل، فقال عمر: لئن سلمني الله تعالى لأدعنّ أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى أحدٍ بعدي”. (رواه البخاري)

وقال رضي الله عنه أيضاً: “والله لئن بقيت ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو مكانه”.(تاريخ الطبري).

وكان يتم ذلك من خلال بيت مال المسلمين، الذي يشبه في عصرنا وزارة المالية. وكان من أهم أقسامه ما يسمى بديوان العطاء. ولم يكن يقتصر العطاء فيه على المسلمين فقط، بل كان يشمل هذا الديوان أيضاً الأرامل، والأطفال، والفقراء من غير المسلمين في الدولة الإسلامية. ففي كتاب خالد بن الوليد لأهل الحيرة عهد الذمة: “وجعلتُ لهم أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنياً فافتقر. وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وعيل من بيت مال المسلمين وعياله، ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام؛ فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام؛ فليس على المسلمين النفقة على عيالهم”.( الخراج لأبي يوسف)

وهكذا يتبين لنا أيضاً أن مهمة رعاية الأيتام، وكفايتهم، والقيام بمصالحهم وحقوقهم، كان داخلاً في مهام خلفاء المسلمين وملوكهم، ومن يقوم مقامهم من الأمراء، والقضاة، وكل قادرٍ على ذلك من المسلمين، فهو منهجية مطردة، وسمةٌ من سمات المجتمع المسلم.

كما يتبين لنا أيضاً من هذه الروائع أن دور الأيتام بمفهومها المتعارف عليه اليوم لم تكن في بدايات الدولة الإسلامية، وإنما كانت تتم كفالة اليتيم إما بأن يضم الكافل اليتيم إلى بيته، ويرعاه كما يرعى أبناءه، أو بأن يبقى في بيته مع أمه ويتم الإنفاق عليه من خلال كفالته وكفالة أمه وتوفير ما يحتاجونه. وربما تكون تلك الطرق هي الأقرب لمراعاة الاحتياجات النفسية، والتربوية، والعاطفية للأيتام؛ إذ يعيش اليتيم في ظلال أسرة تمنحه الدف والحنان المطلوب، الذي يعوضه فقده لأبيه.


من كتاب “رفقاء … أكبر عائلة في العالم” – سلسلة غراس رقم (11) – قطر الخيرية (بتصرف).


انضم لأكبر عائلة أيتام في العالم
بادر الآن بكفالة يتيم عبر قطر الخيرية

قد تهتم بالإطلاع على مواضيع مشابهة

اترك لنا تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.