الرئيسية قصة نجاح اليتيم “عبد الناصر دلاليتش” الذي توجته مدرسة اليُتم بطلاً للملاكمة

اليتيم “عبد الناصر دلاليتش” الذي توجته مدرسة اليُتم بطلاً للملاكمة

2019-05-05
اليتيم “عبد الناصر دلاليتش” الذي توجته مدرسة اليُتم بطلاً للملاكمة

تُخلّفُ الأزمات جروحا عميقة وآثارا اجتماعية ونفسية، وتترك نُدُوبَها المؤلِمة على حياة الأفراد والأسر والمجتمعات، وتظلّ محفورة في وجدانهم وذاكرتهم  لسنوات وعقود ممتدة عبر الزمن. ومن تلك الأسر أسرة اليتيم عبد الناصر دلاليتش.

عندما تُذكَر مدينة “سربرنيتسا” الجبلية شرق البوسنة والهرسك تُذكَر الإبادة الجماعية التي لحقت بها في يوليو 1995 وراح ضحيتها حوالي 8000 شخص أغلبهم من الرجال واليافعين “البوشناق”.

ويذكر آلاف الأيتام ما تعرضوا له هم وأمهاتهم وذووهم بسبب فقدان الأمن والأمان، وآلام التمزّق الاجتماعي، والصعوبات المعيشية والحرمان من التعليم، والخشية من الانحراف والضياع.

مأساة سربرنيتسا

على وَقْعِ تلك الظروف كانت بداية نشأة الشاب “عبد الناصر دلاليتش” (المولود عام 1992) وسط أسرة تتكوّن من 4 أشخاص ( أب وأم، بالإضافة إليه ولأخيه) ، وأثناء الهجوم الذي تعرّضت له سربرنيتسا عام 1995 فقد عبد الناصر والده، ليتمّ العثور على جثمانه بعد انقضاء الأزمة بسنين.

يُحدِّثنا عبد الناصر دلاليتش عن نشأته وصعوبات الحياة التي واجهها مع أمه وأخيه عندما كان صغيرا فيقول:”عرفتُ اليتم منذ أن كان عمري آنذاك 3 سنوات، وكانت الحياة بدون أبٍ صعبة للغاية، خصوصا في ظل أجواء انعدام الأمن، وقد اضطررنا بسبب ذلك للانتقال من مكان لآخر أكثر من مرة، وكنا نضطر لاستئجار شقق للسكن ، ومن دَخْلٍ شهريٍّ غير كاف، كنّا ندفع الإيجارات  والفواتير الشهريّة، والباقي للاحتياجات اليوميّة، أي أننا كنا نواجه انعدام الأمن والخوف من المجهول، مع نقص الإمكانات المادية اللازمة لمواجهة متطلبات الحياة”.

لكن رغم الصعوبات التي واجهها اليتيم فإنّه يعتبر نفسه محظوظا، لأنّ الله قيّض له ولأخيه كفالة عن طريق قطر الخيرية، ساعدته هو وأسرته على تخفيف معاناتهم،  كما أسهمت في صياغة مستقبله الرياضي المُشَرِّف، على مستوى الملاكمة، ليتمكّن من إحراز المركز الأول في عدة منافسات على مستوى بلاده، وعلى مستوى بطولة دول البلقان منذ عام 2014 وحتى الآن، في وزن (أكثر من 91 كغ).

وحينما يعود عبد الناصر بطل بلاده في الملاكمة بذاكرته إلى الوراء، يتذكّر كيف ساهمت هذه الكفالة (منذ بداية عام 1998 وحتى بدايات عام 2011) بتوفير الدعم له من أجل تنمية موهبته الرياضية وصقلها والاستمرار فيها، فيقول:” لقد ساعدتني الكفالة على أن أستمرّ على الطريق السليم، وأن أمارس الرياضة، وأعيشها يوما بيوم، وأطوّر من إمكانياتي، وأحقّق نتائج ممتازة فيها، وصولا إلى احتراف الملاكمة، وإحراز البطولات بعد سنوات،  مع المحافظة على ما وصلت إليه، وتمثيل بلادي، بعيداً عن أي ضياع أو انحراف”.

مدرسة اليُتم تُتوِّج "عبد الناصر دلاليتش" بطلاً للملاكمة
مدرسة اليُتم تُتوِّج “عبد الناصر دلاليتش” بطلاً للملاكمة

الاحتفاظ باللقب

أحرز عبد الناصر دلاليتش المركز الأول في الملاكمة على مستوى البوسنة والهرسك في أعوام 2014 ، و2015 ، و2016 و 2017، وهو حاليا عضو في المنتخب الوطني لبلاده، كما فاز بلقب بطل البلقان عام 2016 في بولندا، وما زال يحتفظ به إلى الآن.

بالتوازي مع المكانة المرموقة التي حققها عبد الناصر على مستوى الملاكمة، فإنّه حرص على تعزيزها من خلال التحصيل العلمي الأكاديمي، فحصل مؤخرا على درجة البكالوريوس في التربية الرياضية. ويحرص في ذات الوقت على المشاركة في الجهود التوعوية من أجل حثّ فئات المجتمع وخصوصا اليافعين والشباب على ممارسة الرياضة وجعلها أسلوب حياة، وتنمية مواهبهم وتطوير قدراتهم  في هذا المجال، من خلال التدريب والصبر على ذلك،  وقد اخبرنا أنه من خلال حملة “مركز الرياضات القتاليّة” الذي يعتبر أحد مؤسسيه ألقى محاضرة عن الرياضة وأهميتها وكيفية تحقيق النجاح فيها وعرض فيها لمسيرته والإنجازات التي حققها.

طريق النجاح لبطلنا عبد الناصر دلاليتش

لدى عبد الناصر رغبة أكيدة لأن يخصص شطرا من وقته و جزءا من إمكاناته وقدراته للأيتام، لأنه يعتبر نفسه جزءا لا يتجزّأ منهم، ويرى أنّه من خلال “مركز الرياضات القتاليّة” يمكنه مساعدتهم “لكي يتأكدوا بأنّ لهم فرصا حقيقية في التدريب و ممارسة الرياضة، والارتقاء بلياقتهم وصحتهم وبناء مستقبلهم”، كما أخبرنا.

لم يستسلم عبد الناصر في طفولته وبداية شبابه لمرارة اليتم بل اعتبرها محفِّزا له من أجل الوصول لسدة النجاح والتميّز، وفي هذا الصدد أخبرنا أنّه تعلّم من اليتم” أنّ النجاح يحتاج إلى العمل المستمر والإرادة، لذا يجب على الإنسان المجاهدة و بذل أقصى الجهود ليأتي النجاح بكل تأكيد بعده”، وهو يوصي الأيتام بأن ” يكافحوا  ولا يفقدوا الإرادة، والثقة بالله ثم بأنفسهم” ليرسموا معالم مستقبلهم الواعد، وليحققوا طموحاتهم في دروب الحياة.

وفي نهاية المطاف لم ينسَ عبد الناصر أن يوجّه خالص شكره لكل من سانده ووقف إلى جانبه، داعيا المولى أن يجعل كل خير قاموا به وكان سببا في حفظ كرامته وكرامة أسرته، وكل إنجاز حققه أو سيحققه لخدمة مجتمعه وخدمة الأيتام في سجل حسناتهم.

 رغم التحديات والصعوبات التي واجهها عبد الناصر إلا أنّ صبره وإصراره جعل منه بطلا يمثّل بلاده في البطولات الدولية، ويحظى بلقب بطل البلقان بأكمله في مجال الملاكمة.

قد تهتم بالإطلاع على مواضيع مشابهة

اترك لنا تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.