سرطان في الظلام: مأساة اليمن الصامتة !

علي الرشيد
2026-06-14

في أجنحة الأورام بمستشفيات صنعاء المتهالكة، يتجسد “الموت البطيء” في أبهى صوره؛ حيث يختنق الهواء برائحة الكيماوي والعجز، ويختلط أنين المرضى بصمت الجدران الباردة هنا، لا تقتصر جراح اليمن على نيران المدافع فحسب، بل تنزف داخلياً بفعل مرض خبيث ينهش الأجساد، محولاً الحياة إلى ساحة حرب صامتة لا يسمع ضجيجها إلا من يكابدها هذه ليست مجرد إحصاءات، بل قصص أناس عاشوا بيننا ثم رحلوا في صمت مطبق. 

أرقام مخيفة

بينما يحتفل العالم بإنجازات الطب الحديث والذكاء الاصطناعي، يقف اليمن عاجزاً أمام كارثة صحية تضاعفت حدتها بسبب النزاع المسلح وانهيار البنية التحتية: 

  • 30 ألف حالة سرطان جديدة تُسجل سنوياً بحسب منظمة الصحة العالمية. 
  • أكثر من 100 ألف إصابة سُجلت رسمياً منذ بدء الحرب قبل 10 سنوات. 
  • 12,000 وفاة مسجلة سنوياً، والواقع يؤكد أن الأرقام الفعلية تتجاوز ذلك بضعفين؛ لأن نصف المرضى يلفظون أنفاسهم الأخيرة في قراهم النائية دون أن تُدوّن أسماؤهم في السجلات الرسمية. 

أسلحة الجريمة

يعود الانتشار المخيف للمرض إلى عوامل خطيرة يتجاهلها الكثيرون: 

  1. المبيدات الكيماوية والسموم: استخدام مادة الـ (DDT) المحرمة دولياً عشوائياً في الزراعة، وتلوث المياه الجوفية. 
  2. الأدوية المهربة: إغلاق المطارات أنعش سوق الأدوية المغشوشة والمهربة التي تُباع عشوائياً لتجهز على ما تبقى من رمق المريض. 
  3. ثقافة الصمت والفقر: بُعد المسافات الريفية والفقر يمنعان الكثيرين من الفحص المبكر. يضاف إلى ذلك كتمان المرضى للحرج أو الخوف، والاعتماد على العلاجات البدائية (كالثوم والخلطات) حتى يفوت الأوان. 

رحلة العذاب

سماع كلمة “سرطان” في اليمن يعني انهياراً مالياً ونفسياً للعائلة بأكملها، لتبدأ رحلة المعاناة مع: 

  • الغلاء الفاحش: تكلفة الجرعة الكيماوية الواحدة تفوق قدرة أسر يعيش معيلوها على رواتب منقطعة لا تتجاوز 50 دولاراً. 
  • شحة أجهزة الإشعاع: لا يوجد سوى ثلاثة أجهزة إشعاع متخصصة في صنعاء وعدن، مما يجبر مرضى المحافظات النائية على السفر لأكثر من 10 ساعات عبر طرق وعرة، ويموت بعضهم في منتصف الطريق. 
  • المراكز المتداعية: تواجه المراكز نقصاً حاداً في الكوادر الطبية المهاجرة، وتعطل الأجهزة لغياب قطع الغيار بسبب الحصار، وانقطاع الكهرباء المستمر. 

الجريمة المجتمعية

أفظع ما يواجهه المريض ليس المرض ذاته، بل “التخلي الروحي” والنبذ الناجم عن الجهل واعتقاد البعض أن السرطان مرض معدٍ. وتتجلى المأساة بوضوح لدى النساء؛ فكم من زوجة طُلقت وتُركت تواجه مصيرها وحيدة بمجرد سماع التشخيص، ليتحول السؤال في أروقة المستشفيات من “هل سأشفى؟” إلى “هل سيتركني زوجي ويأخذ أطفالي؟”. 

مأساة اليود المشع

يُعد سرطان الغدة الدرقية من الأكثر انتشاراً في اليمن. وفي حين أن علاجه روتيني وبسيط عالمياً عبر جرعة “اليود المشع”، إلا أن هذه المادة ممنوعة من الدخول لاعتبارات أمنية ولوجستية معقدة. يضع هذا الحظر المرضى أمام خيارين: الموت الحتمي، أو السفر للخارج بتكاليف خيالية لا يقدر عليها مواطن يفتقر لقوت يومه، ليموت الكثيرون بسبب جبال من الفقر والسياسة. 

“قطر الخيرية” ترمم الأمل 

وسط هذا السواد، برزت مبادرات إنسانية أعادت الروح للمئات؛ حيث قامت “قطر الخيرية” بالتعاون مع المؤسسة الوطنية لمرضى السرطان بفتح أبواب الأمل عبر: 

  • نقل 80 مصاباً بسرطان الغدة الدرقية لتلقي علاج اليود المشع في مراكز متخصصة بالقاهرة (شاملة التذاكر، الإقامة، والعلاج). 
  • دعم 115 حالة سرطان أخرى بمختلف الأنواع. 

هذه المبادرات أعادت الابتسامة لوجوه نسيت معناها، وأثبتت للمريض اليمني أنه ليس وحيداً في معركته. 

نداء من القلب 

إنقاذ ما يمكن إنقاذه يبدأ بخطوة صغيرة؛ انظر بعين الرحمة لمريض في حيك، ساهم بما تجود به نفسك لدعم مراكز الأورام المحلية ولو بقيمة وجبة واحدة، وانشر الوعي بأن الفحص المبكر طوق نجاة وأن المرض ليس عاراً كل روح تسهم في إنقاذها هي حياة كاملة تعيد صياغتها، واستثمار في إنسانيتنا. 

مبروك القبيسي ـ مكتب قطر الخيرية ـ اليمن

علي الرشيد
إعلامي وكاتب متخصص في الشأن الإنساني والثقافي
يعبر المقال عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر قطر الخيرية.

مواضيع ذات صلة

تعليقات

اترك أول تعليق