الرئيسية أزمة اللاجئين والنازحين اللاجؤون الإثيوبيون ورحلة اللجوء عبر نهر “ستيت” .. معاناة تتناقلها الأجيال

اللاجؤون الإثيوبيون ورحلة اللجوء عبر نهر “ستيت” .. معاناة تتناقلها الأجيال

2021-06-17
اللاجؤون الإثيوبيون ورحلة اللجوء عبر نهر “ستيت” .. معاناة تتناقلها الأجيال

على ضفة نهر “ستيت” من جهة الحدود السودانية بدت السيدة (حنان) وهي تستجمع أنفاسها. ألقت بثوبها على أرض مبللة، ومهدت لطفلها الرضيع مرقدا، وجلست قربه حتى غطى ظلها جسد طفلها الرضيع. سألتها إن كانت تعرف العربية، ضحكت وقالت لي (أنا اتربيت عندكم هنا في كسلا). كانت إجابتها تعني لي دعوة للجلوس ومعرفة حكايتها، التي تسببت في وصولها إلى هنا. وهنا أيضا أخذت تستعيد بعضاً من ذكريات طفولتها، حين اصطحبتها والدتها في ثمانينيات القرن الماضي إلى مخيم “أم راكوبة” حيث يتجمع اللاجؤون الإثيوبيون بولاية القضارف الحدودية.

نهر “ستيت” الفاصل بين السودان وإثيوبيا. عبوره بمثابة الوصول إلى بر الأمان الذي بلغه اللاجؤون الإثيوبيون، بعد أن فروا من جحيم الصراع في إقليم تغراي في إثيوبيا . لا أحد منهم يهتم كثيراً بما تركه خلفه من مال ومتاع، بيد أنهم نفذوا من الموت، بل ونجحوا في عبور النهر أيضاً.

حينها ضربت القرن الإفريقي مجاعة طاحنة، واندلعت حرب في إقليم تغراي، ما اضطر والديها هجر الديار واللجوء إلى السودان. ما أقسى الظروف حين يتجدد الحزن، ويتبدد أمل الاستمتاع بحياة خالية من الصراعات.

انتبهت (حنان) لصراخ طفلها، ووجدت خيوطا من أشعة الشمس بدأت تتسلل بقوة نحو  جسده. بكى ..ضمته إلى صدرها وتابعت حديثها وهي تقول إن مجموعات من (الأمهرا) اعترضت طريق فرارها مع آخرين من تغراي، وقتلت ثلاثة شبان منهم ونجت مع طفلها حتى وصلت إلى الحدود السودانية، من موت كان يتربص بها داخل بلدها من كل حب وصوب ..جاءت مستجيرة بالمجهول وحياة اللجوء والواقع الإنساني المعقد الذي فرضته ظروف الأزمة المشتعلة!

وستواجه (حنان) حياتها الجديدة هنا مع طفلها، في انتظار بعض أهلها الفارين الذين لم يصلوا بعد..


القضارف، شرق السودان - إمرأة إثيوبية تطبخ وجبتها في مخيم أم راكوبا للاجئين في السودان. حيث يعيش اللاجئون الإثيوبيون الذين فروا من النزاع في بلدهم
إمرأة إثيوبية تطبخ وجبتها في مخيم أم راكوبة للاجئين في مدينة القضارف شرقي السودان. حيث يعيش اللاجئون الإثيوبيون الذين فروا من النزاع في بلدهم.

حياة بين ضفتين … وبين فرارٍ ولجوء

جلست مع عدد كبير من اللاجئين على اختلاف أعمارهم. لكل منهم قصة فرار مؤلمة صنعتها الظروف الأمنية الصعبة وعدم الاستقرار وتشتيت الشمل. حكت لي شابة عشرينية أن شقيقها قُتل في طريق هروبه نحو الحدود السودانية، وتحتفظ بابنه معها داخل المخيم.

تتجلى ملامح الفصول القاسية للصراع في قصة لجوء (ترحاس) التي عاشت أياما صعبة في طريق فرارها مع آخرين من منطقة (عبد الرافع). كانت حبلى وأنجبت طفلها في الطريق قرب الحدود السودانية. لكن ثمة مفارقة تشير إلى أن (ترحاس) قد ساقها قدرها إلى ذات المكان الذي ولدت فيه قبل عشرين عاماً. هنا كانت صرختها الأولى، في مخيم “أم راكوبة” للاجئين في مدينة القضارف شرقي السودان. وصل إليه والداها قبل عقدين لاجئين بسبب مجاعة ضربت القرن الإفريقي، وحرب طاحنة في إقليم تغراي أيضا.

تعود بذكريات الزمان وملامح المكان، وتنتهي إلى حتمية مواجهة واقعها العاثر، الذي فرض عليها أن تكون لاجئة، طفلة وأما !

(حنان) و(ترحاس)، عناوين فقط لقصص إنسانية مؤلمة وحزينة، عاش وطأتها القاسية عشرات آلاف اللاجئين الإثيوبيين الفارين من جحيم الحرب في إقليم التغراي، وينتظرون نهاية غير بعيدة لهذا الكابوس!


أسامة سيد أحمد/ مخيم أم راكوبة شرقي السودان (بتصرف).
ملاحظة: المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر قطر الخيرية.


المقال منشور في العدد 24 من مجلة غراس
يمكنك تحميل نسختك أو الإطلاع على مقالات أخرى من المجلة

قد تهتم بالإطلاع على مواضيع مشابهة

اترك لنا تعليقك

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.